المنازعات التي يمكن أن تكون محلًا لاتفاق التحكيم في النظام السعودي:
- يعد التحكيم في العصر الحديث أحد أبرز الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، وقد أولاه المنظم السعودي عناية خاصة لما يحققه من سرعة في الفصل، ومرونة في الإجراءات، فضلًا عن مساهمته في دعم البيئة الاستثمارية، وتعزيز الثقة في المعاملات التجارية، وقد تبنى نظام التحكيم السعودي اتجاهًا متوازنًا في تنظيم نطاق التحكيم، فلم يطلقه على نحو مطلق، ولم يقيده بشكل مفرط، بل وضع قاعدة عامة تحكم هذا النطاق، مقرونة بضوابط مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية ومقتضيات النظام العام.
- وتبرز أهمية تحديد المنازعات التي يجوز أن تكون محلًا لاتفاق التحكيم في كونه يحدد الحدود الفاصلة بين اختصاص القضاء العام واختصاص التحكيم، ويمنع التوسع غير المشروع في إخضاع بعض المسائل التي لا تقبل بطبيعتها هذا الطريق الاستثنائي، كما أن هذا التحديد يحقق الأمن القانوني للأطراف، ويجنبهم الوقوع في بطلان اتفاق التحكيم أو الحكم الصادر بموجبه.
الإطار النظامي لنطاق التحكيم:
- يتحدد نطاق التحكيم في النظام السعودي من خلال مجموعة من النصوص النظامية التي تشكل في مجموعها الإطار الحاكم لقابلية النزاع للتحكيم، فقد نصت المادة الثانية من نظام التحكيم السعودي على أن: “مع عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية والاتفاقيات الدولية التي تكون المملكة طرفًا فيها، تسري أحكام هذا النظام على كل تحكيم أيًا كانت طبيعة العلاقة النظامية التي يدور حولها النزاع إذا جرى هذا التحكيم في المملكة، أو كان تحكيمًا تجاريًا دوليًا يجري في الخارج واتفق طرفاه على إخضاعه لأحكام هذا النظام”.
- ويستفاد من هذا النص أن المنظم قد وسع من النطاق التطبيقي للتحكيم، سواء من حيث طبيعة المنازعات، أو من حيث النطاق المكاني، فلم يقصره على المنازعات التجارية فحسب، بل جعله شاملًا لكل علاقة نظامية يجوز فيها الصلح.
- كما نصت المادة الثالثة على بيان المقصود بالتحكيم الدولي، حيث قررت أنه: “يكون التحكيم دوليًا إذا كان موضوعه نزاعًا يتعلق بالتجارة الدولية”، وحددت الحالات التي يعد فيها التحكيم دوليًا، مثل: اختلاف أماكن أعمال الأطراف، أو ارتباط النزاع بأكثر من دولة. ويعكس هذا التوجه رغبة المنظم في مواكبة المعايير الدولية، وجعل المملكة بيئة جاذبة للتحكيم التجاري الدولي.
المعيار العام لقابلية النزاع للتحكيم:
- يقوم تحديد المنازعات التي يجوز التحكيم فيها في النظام السعودي على معيار عام، نصت عليه المادة الثانية، وهو أنه: “يجوز التحكيم في المسائل التي يجوز فيها الصلح”.
- ويعد هذا المعيار من أكثر المعايير مرونة واتساعًا؛ إذ يربط بين قابلية النزاع للتحكيم وقابليته للصلح، بمعنى أن كل حق يجوز لصاحبه أن يتنازل عنه أو يتصالح بشأنه، يجوز له كذلك أن يعرض النزاع المتعلق به على التحكيم.
- ويترتب على ذلك أن نطاق التحكيم يمتد ليشمل معظم المنازعات ذات الطبيعة المالية، سواء كانت ناشئة عن عقود أو عن غيرها من مصادر الالتزام، بما في ذلك المنازعات التجارية، والمدنية، ومنازعات الشركات، والمقاولات، والاستثمار، وغيرها.
- كما أن هذا المعيار لا يقتصر على المنازعات القائمة، بل يشمل كذلك المنازعات المستقبلية، وهو ما أكدته المادة التاسعة التي نصت على أن: “اتفاق التحكيم هو اتفاق بين طرفين أو أكثر على أن يحيلا إلى التحكيم جميع أو بعض المنازعات التي نشأت أو قد تنشأ بينهما”.
النطاق الشخصي للتحكيم:
- لا يقتصر نطاق التحكيم على نوع معين من الأشخاص، بل يشمل كل من تتوافر فيه الأهلية القانونية للتصرف في الحقوق محل النزاع. وقد نصت المادة العاشرة على أنه “لا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممن يملك التصرف في حقوقه”.
- ويعني ذلك أن التحكيم لا يكون صحيحًا إلا إذا صدر عن إرادة حرة من شخص يملك حق التصرف، سواء كان شخصًا طبيعيًا أو اعتباريًا، كالشركات والمؤسسات. ويترتب على ذلك عدم صحة اتفاق التحكيم الصادر من عديم الأهلية، أو ناقصها فيما يتجاوز حدود أهليته.
- أما بالنسبة للجهات الحكومية، فقد قيد النظام لجوءها إلى التحكيم، حيث نصت المادة العاشرة في فقرتها الثانية على أنه “لا يجوز للجهات الحكومية الاتفاق على التحكيم إلا بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، ما لم يرد نص نظامي خاص يجيز ذلك”.
- ويعكس هذا القيد حرص المنظم على حماية المال العام، وضمان عدم إخضاعه لإجراءات التحكيم إلا بعد رقابة مسبقة من السلطة المختصة.
دور اتفاق التحكيم في تحديد النطاق:
- يستند التحكيم في جوهره إلى اتفاق الأطراف، وهو ما يمنحه طابعه الاختياري، وقد نصت المادة التاسعة على تعريف اتفاق التحكيم، وأوجبت أن يكون مكتوبًا، وإلا كان باطلًا.
- ولا يقتصر دور اتفاق التحكيم على إنشاء التحكيم فحسب، بل يمتد إلى تحديد نطاقه من حيث موضوع النزاع، والأطراف، والقواعد الإجرائية والموضوعية التي تحكمه. فللأطراف حرية تحديد المسائل التي يرغبون في إخضاعها للتحكيم، سواء كانت جميع المنازعات أو بعضها، كما يجوز لهم استثناء بعض المسائل من نطاقه.
- ومع ذلك، فإن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تقيدها القواعد الآمرة، وعلى رأسها عدم جواز الاتفاق على التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح.
المنازعات التي يشملها نطاق التحكيم:
- استنادًا إلى معيار جواز الصلح، فإن نطاق التحكيم في النظام السعودي يشمل طائفة واسعة من المنازعات، من أبرزها: المنازعات التجارية بمختلف صورها، كعقود البيع والتوريد والمقاولات والشراكات، وكذلك المنازعات المدنية المتعلقة بالالتزامات والتعويضات، كما يشمل المنازعات المتعلقة بالاستثمار، سواء بين المستثمرين أو بينهم وبين الجهات الأخرى، في الحدود التي يجيزها النظام.
- ويمتد نطاق التحكيم كذلك إلى المنازعات ذات الطابع الدولي، وهو ما يعزز من مكانة المملكة كمركز للتحكيم التجاري، خاصة في ظل توافق النظام مع المعايير الدولية.
المنازعات المستبعدة من نطاق التحكيم:
- رغم هذا الاتساع، فإن هناك طائفة من المنازعات تخرج من نطاق التحكيم، لأنها لا تقبل الصلح بطبيعتها أو لارتباطها بالنظام العام.
- وتأتي في مقدمة هذه المنازعات مسائل الأحوال الشخصية البحتة، كالنسب والزواج والطلاق والحضانة والإرث؛ إذ تتعلق هذه المسائل بحالة الشخص وأهليته، وتخضع لقواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، ومن ثم لا يجوز إخضاعها للتحكيم.
- غير أنه يجوز التحكيم في الآثار المالية المترتبة على هذه المسائل، متى كانت قابلة للصلح، كالمنازعات المتعلقة بالنفقة أو تقسيم الأموال المشتركة.
- كما تخرج من نطاق التحكيم المسائل الجنائية، لارتباطها بحق المجتمع، وعدم جواز التصالح بشأنها في الأصل، حيث إن توقيع العقوبات من اختصاص الدولة وحدها. ومع ذلك، يجوز التحكيم في الحقوق المالية الناشئة عن الجريمة، كالتعويض المدني.
- كذلك، لا يجوز التحكيم في كل ما يتعلق بالنظام العام، وهو مفهوم مرن يشمل القواعد الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، سواء كانت مستمدة من الشريعة الإسلامية أو من الأنظمة المرعية. ويترتب على ذلك عدم جواز التحكيم في أي نزاع يؤدي الفصل فيه إلى مخالفة هذه القواعد.
القيود الشرعية والنظامية على التحكيم:
- أكد النظام السعودي على ضرورة التزام التحكيم بأحكام الشريعة الإسلامية، حيث نصت المادة الخامسة والعشرون على أن هيئة التحكيم تطبق القواعد التي يتفق عليها الأطراف، على ألا يخالف ذلك الشريعة أو النظام العام.
- ويعني ذلك أن حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق ليست مطلقة، بل تخضع لرقابة تضمن عدم مخالفة الأحكام القطعية في الشريعة.
- كما تخضع أحكام التحكيم لرقابة القضاء من خلال دعوى البطلان، أو عند طلب تنفيذ الحكم، حيث يمتنع القضاء عن تنفيذ الحكم إذا تضمن ما يخالف الشريعة أو النظام العام.
الجزاء المترتب على مخالفة نطاق التحكيم:
- إذا تم الاتفاق على التحكيم في مسألة لا يجوز فيها التحكيم، فإن هذا الاتفاق يكون باطلًا بطلانًا مطلقًا، لارتباطه بالنظام العام، كما أن الحكم الصادر بناء عليه يكون قابلًا للبطلان، ولا يجوز تنفيذه.
- وإذا كان الاتفاق يشمل مسائل يجوز التحكيم فيها وأخرى لا يجوز، فإن البطلان يقتصر على الجزء غير الجائز، ما لم يكن غير قابل للفصل، ففي هذه الحالة يمتد البطلان إلى الاتفاق كله.
خاتمة:
- يتبين من خلال استقراء أحكام نظام التحكيم السعودي أن المنظم السعودي قد تبنى منهجًا دقيقًا ومتوازنًا في تحديد نطاق المنازعات التي يجوز أن تكون محلًا لاتفاق التحكيم، حيث لم يقتصر على وضع قاعدة عامة فحسب، بل أحاطها بجملة من الضوابط التي تكفل حسن تطبيقها وتمنع الانحراف بها. فقد أقام هذا النطاق على معيار جوهري يتمثل في جواز الصلح، وهو معيار يتسم بالمرونة والاتساع، ويتيح استيعاب طيف واسع من المنازعات، خاصة تلك ذات الطبيعة المالية والتجارية، دون الحاجة إلى تعدادها على سبيل الحصر، الأمر الذي يتماشى مع التطور المستمر في المعاملات الاقتصادية.
- وفي المقابل، لم يترك المنظم هذا الاتساع دون قيود، بل ربطه بضوابط أساسية في مقدمتها عدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام، وهو ما يعكس الطبيعة الخاصة للنظام القانوني في المملكة، القائم على مرجعية شرعية واضحة. كما حرص على استبعاد المسائل التي لا تقبل بطبيعتها أن تكون محلًا للصلح، كمسائل الأحوال الشخصية البحتة، والحقوق المرتبطة بالحالة الإنسانية، وكذلك المسائل الجنائية التي تتعلق بحق المجتمع، وهو استبعاد يقوم على اعتبارات موضوعية تتصل بطبيعة هذه الحقوق وضرورة حمايتها من أي اتفاق خاص.
- ويظهر كذلك أن المنظم قد منح إرادة الأطراف دورًا محوريًا في تحديد نطاق التحكيم، فجعل اتفاق التحكيم هو الأساس في قيامه، وأتاح لهم حرية واسعة في تحديد المسائل التي يرغبون في عرضها على التحكيم، سواء كانت منازعات قائمة أو محتملة. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تخضع لرقابة النظام، سواء من خلال اشتراط الأهلية في أطراف الاتفاق، أو من خلال الرقابة القضائية على أحكام التحكيم عند طلب تنفيذها أو الطعن فيها بالبطلان.
- كما يتضح أن النظام السعودي قد واكب الاتجاهات الحديثة في مجال التحكيم، خاصة فيما يتعلق بالتحكيم التجاري الدولي، حيث اعترف به، ونظمه بصورة تسهم في جذب الاستثمارات وتعزيز الثقة في البيئة القانونية، وذلك من خلال إقرار قواعد مرنة تسمح للأطراف باختيار القانون الواجب التطبيق، مع التأكيد في الوقت ذاته على عدم الإخلال بالثوابت الشرعية والنظامية.
- ومن ناحية أخرى، فإن قصر نطاق التحكيم على المنازعات التي يجوز فيها الصلح يؤدي إلى تحقيق قدر من اليقين القانوني، إذ يضع معيارًا واضحًا يمكن من خلاله التمييز بين ما يجوز عرضه على التحكيم وما لا يجوز، الأمر الذي يسهم في تقليل النزاعات المتعلقة بصحة اتفاق التحكيم أو قابليته للتنفيذ، كما أن خضوع أحكام التحكيم لرقابة القضاء، خاصة فيما يتعلق بمخالفة النظام العام أو الشريعة، يشكل ضمانة أساسية تحول دون إساءة استخدام هذا النظام.
- وخلاصة القول: أن نطاق التحكيم في النظام السعودي يجسد توازنًا دقيقًا بين مبدأ سلطان الإرادة ومتطلبات حماية النظام العام، فهو يتيح للأطراف قدرًا كبيرًا من الحرية في إدارة منازعاتهم، واختيار الوسيلة المناسبة لتسويتها، وفي الوقت ذاته يضع حدودًا واضحة تحول دون المساس بالقيم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع. ومن ثَم، فإن هذا التنظيم يعزز من فعالية التحكيم كوسيلة بديلة لتسوية المنازعات، ويجعله أداة قانونية متطورة قادرة على مواكبة متطلبات العصر، دون التفريط في الثوابت الشرعية والنظامية.



